محمد أبو زهرة
2090
زهرة التفاسير
فأرسله إلى الميدان ليخلو له وجه زوجته ، وغيره مما اشتملت عليه توراتكم التي ألفتموها ، وفيها الحق والباطل ، وفي التعبير بكلمة « العفو » إشارة إلى أن هذا الترك يتضمن معنى الصفح والغفران إن أحسنتم في حاضركم ؛ لأنه ترك لأمر في ذكره مضرة وتحقير لكم . وقال الحسن البصري : إن معنى وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ أي لا يؤاخذكم عليه ، ولا يعاقبكم لأجله إن أحسنتم في حاضركم ، وإن النسق البياني يقتضى أن يكون موضع الترك مقابلا لموضع البيان ، والمقابلة تقتضى أن يكون الترك الكثير كالبيان الكثير ، وكل ذلك داخل في عموم ما كانوا يخفونه ولا يبينونه ، وذلك هو الظاهر المتفق مع السياق ، وغيره ليس متفقا مع السياق . قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ هذه الجملة بيان للجملة السابقة ؛ ولذلك كان الفصل بينهما لكمال الاتحاد ، إذ الثانية في معنى الأولى مع وصف جديد فيه بيان الحقيقة ؛ لأنه إذا كان مجىء الرسول فيه بيان المختفى ، وكشف المستور ، فهو نور ، وبعثه نور ، وقد سجل ذلك النور في كتاب مبين ، أي واضح في ذاته مبين للشرع الشريف ، ولما أخفاه أهل الكتاب وطمسوه من معاني الوحدانية الخالصة ، ومن الشرائع المحكمة ، وفي هذا النص تأكيد لمعنى الرسالة عن الله تعالى التي ثبتت بقوله تعالى رَسُولُنا وفي هذا النص تصريح بأن ما يجئ به الرسول من نور كاشف هاد ، وكتاب مسجل للشريعة هو من الله تعالى ، وقد صرح بذلك في قوله تعالى : قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ . وللمفسرين في بيان معنى نُورٌ و كِتابٌ كلام أساسه أن النور يجب أن يكون غير الكتاب ؛ لأن العطف بينهما يقتضى التغاير بين حقيقتهما ، إما من حيث الذات ، أو من حيث الوصف ، أو النتيجة ، فإن الشئ الواحد قد يكون له وصفان متغايران ، وبمقتضى هذا التغاير يكون العطف .